ركعتُ بخشوع أمامَها
ووضعتُ رأسيَ في ظِلِّ العنق الذي كَسَتْهُ صُفرةٌ غريبة
وبكيتُ بحرقةٍ شديدةٍ لم أكنْ أعرفُ أنها ستخرجُ مني
لسعتني برودةُ الجثةِ
وزادني صمتها توتراً وقلقاً
ووجدتُ نفسيَ أسألهُا: "متى ستنهضين؟"
***
قدركَ أن تعيشَ شاعراً
وأن تموتَ شاعراً
وأن ترى ما لا يراهُ الآخرون
وأن تتألم وتحزنَ أكثرَ منهم
وأن تستغلَّ فرصةَ تواجدِك وحدَك للبكاءِ بشدة.
قدرُك أن تهيمَ في الأزقةِ والشطآنِ
باحثاً عن شيء لم يخلقه الله بعدُ
وأن تملك حِسَّاً طفولياً
يجعلك تزورُ الغاباتِ والصحاري
والبحارَ والمحيطاتِ والجزرَ النائية
والفضاءاتِ البعيدةَ
وأنت جالسٌ أمامَ ورقتك..
تبحث عن كلمة جديدة تضيفها إلى اللغة.
***
لاحقاً
اندفعتُ بشكل جنوني إلى الشوارع
وصرختُ في وجوه الناسِ البسطاءْ
متى ستنهضُ تلك الجثةُ الملقاةُ على صخرةِ التاريخ؟
متى ستعودُ لها حرارة الروح؟
صرختُ في وجوهِ الذينَ خدَّرتْ اللامبالاةُ أحاسيسَهم
وفي وجوه الذين يحدوهم الأملُ بنهوضها
ولا يفعلون إلا إلقاءَ اللومِ على الكواكبِ
والأجرام السماويةِ
والأكوان المجاورة
انتفضَ القهرُ الكامنُ في داخلي
ذاك الذي سكنني بعدَ تعاقبِ الهزائمِ على رأسي
انتفضَ الألمُ
والظلمُ
والحقدُ الذي يحقُّ لي أن أمارسَه حتى ولو مرةً واحدةً في حياتي
انتفضتْ الأصواتُ التي وأدها القمعُ في شراييني
وأنفجرتُ مزمجراً
كأنني أحاولُ أن أجرَّهم جميعاً إلى فعلِ شيء ما
أو كأنني أهفو إلى تحقيق معجزةٍ مستحيلةٍ
لأجمعهم على كلمةِ رجل واحد..
حتى لو كانت الانتحارَ الجماعي
لكنهم نظروا إليّ باستغرابٍ
وعذبوني بالصمتِ المتواصل..
وانفضوا من حولي.
***
مشكلتكَ أنك تحلمُ
وأنك تظن نفسَك نبيّ العصر الذي يستطيع أن يمشي على الماءْ
وأنت لستَ سوى شاعرٍ
تعشقُ كالأطفالِ
وتكره كالأطفالِ
وتتمنى أن تلملمَ النجماتِ
وتشكَّها في خيطٍ لتصنعَ منها قلادةً جميلةً
أنت لست سوى شاعر
تبكي في الليل
وتهذرُ في النهار
وتسبحُ في أمواج العشبِ والنجيلْ
ولا تعرف أن الناس انفضوا منذ زمن طويل من حول الشعر
ولم يعودوا يؤمنون بالكلمةِ
ولا بالأنشودة.
***
افتتحتُ مواسم العويلِ
وبدأتُ باستقبال العائدينَ من جبهةِ النوم والصمتِ
ورحتُ أستمعُ إلى ضحكاتهم البائسةِ
بعدما أعلنوا أنهم متأكدون أن القاتلَ مختبيءٌ خلفَ الأفق
ذلك الذي تغربُ عندَه الشمس كل مساء
هتفتُ في سري
وفي علني
أنتم القتلةُ، ولكنكم لا تشعرون..!
***
حاولْ أن تستيقظَ من سكرتِكَ
حاولْ ولو مرةً واحدةً
أن تسمحَ للشمسِ المجبولةِ بالغبار أن تدخل إلى غرفتكْ
لا تتحيزْ إلى هلوساتِ الشاعر فيك
وتأكد أنهم لا يعرفون كيف تستيقظُ كلَّ ليلةٍ مذعوراً من الألم
من أجل أن تكتب قصيدةً
تهربُ منك صباحاً كطير لا يحبُّ الأقفاصَ..
الكلمة التي تأسرُها بين سطورك لا تعنيهم
وأنت وحدَك الذي يَشَغَل نفسَه بلغةٍ عفى عليها الزمنُ.
تعلَّمْ أن الجثةَ لن تستيقظَ إلا إذا كانت لطائر العنقاءِ
الذي لم يخرج يوماً من قمقم الأساطير.
14 تشرين ثان 2006