قالت لي الدنيا...

موقع الشاعر ناصر ثابت

البحث عن الهزائم

(1)
في "سان هوزي"
يبدأ النهارُ قبلَ عادتِه
ويستمرُّ إلى ساعاتٍ متأخرةٍ من النبضِ.
وعند اللحظة التي يبدأ فيها بالتطفلِ على وجهيَ
بواسطة أصابعَ أصلها من الشمس،
تبدأ عينايَ بالتمشي على السجادةِ الخضراءِ الممتدةِ أمامَ
شرفتي.
منذُ وضعتُ حقائبيَ في هذه المدينة
وأنا أمتهنُ الشرودَ والتأملَ ومراجعة الذكرياتِ،
واليومَ يطيبُ لي
أن أراجعَ شريطَ ذكرياتيَ معكِ
والذي يمتدُّ على مساحةٍ طوليةٍ من الزمن
تسير بعكس اتجاه عمرنا،
أليسَ من قبيل البذخ أن أسترقَ لحظةً أراجعُ فيها عمراً كاملاً؟
أم أن الجنونَ أصبحَ لعبتيَ اليومية؟
والخطورة في الأمر
أنني سأكتشفُ أنني عشتُ مهزوماً
وضائعاً
بسبب الحب
(2)
أسخفُ هزائمِ الإنسانِ هي الهزائم العسكرية
فهي لا تُذكرُ إلا في كتب التأريخ
وأحياناً بسطورٍ عابرةٍ ليس إلا...
أما الهزائمُ الداخليةُ
والمعاركُ التي لا تنتهي مع الحب وبسببه
فيتعدى تأثيرها كتبَ التأريخ
ولا ترحل عن القلوب إلا بعد أن تكونَ قد أثرتْ على الناسِ
تأثيراً لا رجعة فيه
وسرت في عروقهم على مدى اعمارهم
وتواصلَ سريانها في أجيالهم اللاحقة.
(3)
بالنسبة لي
إن أكثرَ لحظاتِ الحبِّ صدقاً
هي تلكَ التي تُسمى
بلحظاتِ الفراق...
الفراقُ كائنٌ حيٌّ
لا يمكنُ الحديثُ عن الحبِّ دونَ التطرقِ إليه
إنه ثيرموميتر خارقٌ
يستطيع أن يرينا حرارة الحب
وجنونَه
إنه مقياسُ ريختر خاص
يستطيعُ أن يُظهرَ لنا
مدى قوةَ الحبِّ
وقدرته على التدميرْ
(4)
لا بدَّ أن نفترقَ...
فهذه هي الطريقة الوحيدة لزيادة منسوبِ الحب في قلبيَ
إنها الطريقة الوحيدة التي أتعلمُ بها
أن الحبَّ حقٌّ
صدقيني، إن الخيباتِ يمكنها أن تفيدَ الحبَّ
أكثر من الانتصاراتْ
فكري معي للحظة،
كيف سنلتقي أولَ مرة بعدَ فراقنا؟
كيف سنرتِّبُ موعدَنا الأولَ؟
ماذا سترتدينَ؟
أنا متأكدٌ أن عطرك وقتها سيكون أكثر جمالا وتميزاً
وأن أناقتك ستشدني أكثر
سأكتبُ وقتها قصيدةً جديدة ومميزة
أعتقدُ أنها ستكون جديدةً ومميزةً
ومتأكدٌ أنني سأقرأها عليك بتأثرٍ وبنبرةٍ عاشقةٍ.
لا بدَّ أن نفترقَ
لأن الحبَّ يكره التكرارَ والرتابةَ
واجترار الكلمات
إنه يحتاجُ إلى هِزة قوية حتى يصحوَ من سباته
بعدَ فترة طويلة من الابحار فوق الصخور والأتربة
أليس َ من المضحكِ أن نركبَ سفينةً في عمقِ اليابسة
بعيداً عن البحرِ  والأمواج؟
(5)
الرتابة والتكرار
يقتلان الشعرَ أيضاً
ويسحبانِ هواءَ القصائدِ من حوليَ
فأشعرُ بالاختناقِ،
لكنني بالشعر وحدَه أستطيعُ أن أكونَ أنا
وعندها فقط
تستطيعين أن تكوني أنتِ
(6)
عندما أحسُّ أنني مُرهقٌ
وأن الاكتئابَ بدأ باغتياليَ
تتحولُ السماءُ إلى لونٍ فضيٍّ باهتٍ
لا يليقُ بها
وتجترُّ الأرض فرحها اليوميَّ
كجنازةٍ تافهةٍ،
أحسُّ بالأطفالِ يتوقفون عن البراءة
وبالنساء يتوقفنَ عن الجمالْ.
والحلُّ الوحيدُ الذي يتوفرُ عنديَ وقتها
هو أن أمسكَ بأقرب قلم من يدي
وأن أبدأ بالكتابةِ
علَّ الأشياءَ تعود إلى سيرتها الآولى.
(7)
تماماً مثلما تتباهينَ
أنكِ السببُ المباشرُ الذي يجعلُني أكتب
عليك أن تعرفي
-يا لهولِ الصدمة-
أنك السببُ الأهمُ الذي يمنعني من الكتابة
ألا يمنحكِ هذا خاتمَ سليمان؟
ألا يمنحكِ مفاتيحَ الجن؟
(8)
الجرأةُ في الحبِّ
هو أن نعرفَ كيف ننهيه
لا كيفَ نبدؤه.
(9)
يتعينُ عليَّ
حينما أريدُ الكتابةَ
أن أفتحَ نافذةَ روحيَ
وأن أطيِّرَ عصافيرَ قلبيَ في الفضاء
أما أنتِ
فتحبين أن تحتفظي بها
لكي تقومي بتحنيطها
يوماً ما.
(10)
السماءُ بالنسبة لي
ليست مجردَ ذلكَ اللونِ الأزرقِ
الذي نراه حين ننظرُ إلى الأعلى
إنها مزيجٌ فريدٌ من الحريةِ
والتمردِ
عليه رشةٌ خفيفةٌ من الانطلاقِ
وحب المغامرة
لذلك
عليك أن توسعي نوافذك كثيراً
حتى أستطيعَ ان أنظرَ خلالها
إلى السماءْ


20 أيلول 2006