قالت لي الدنيا...

موقع الشاعر ناصر ثابت

عن امرأة من الشرقِ

 

(1)

أنا امرأةٌ من الشرقِ

أنا قيثارةٌ للحب والعشقِ

أنا عربية حرة

ومدهشةٌ كمثلِ قصيدةِ الشعرِ

وثائرةٌ، بلا كلل ولا مللِ

كمثل الشمسِ حين تشق صدر العتمة الصماءْ

وتبزغُ ساعةَ الفجرِ

كمثلِ الشمسِ، ثائرةٌ

أتيتُ لكي أصدَّ الظلمَ والقهرا

وأهزم لعنةَ السجانِ والقضبانْ

أتيتُ لكي أحطمَ آخرَ الأصنامْ

رفضتُ الوأدَ والقبرا

رفضتُ العيشَ جاريةً، تغني الشعر للسلطانْ

وتدعكُ أرجل السلطانْ

وتمدحُه

وترضي في الفراشِ غرورَه الزائفْ

وأعلنُها بلا خجلِ،

بأني بعدَ هذا اليومِ جزءٌ من بني الأنسانْ

وأعلنُ أنني ما عدتُ مما تملكُ الأَيمانْ

(2)

أنا امرأةٌ من الشرقِ

أنا عربيةٌ حرة

أتيتُ لكي أحطمَ آخرَ الأصنام

لكي أنهي عصورَ الذلِ والرقِّ

ففي وطني، يعيش الناسُ عصرَ الذلِّ والرقِّ

أليستْ هذه يا أصدقائي غايةُ الحمقِ؟

يُصرُّ أخي بأنيَ طلفةٌ بلهاءْ

وأنيَ لن اعيشَ اليومَ إلا تحتَ إمرتِه

يراني والدي سبباً لشقوتِه

يُلطخُ وجهه بالعارِ دوماً في قبيلتِه

يراني والدي ِشيئاً يُقلل من كرامتِه

وينسى أنني امرأةٌ

كيانيَ ليسَ جزءاً منه

لي عقلي، ووجداني

وأحلامي وأحزاني،

وأنيَ لستُ تابعةً، لسلطتِه

وأما الزوجُ فهو يريدني من أجل خدمتِه

كجاريةٍ، تدللُه

وتسهرُ عندَ راحتِه

وتسجدُ عند أرجله

وتصمتُ عن بذائتهِ

ولكنْ، حين يأتي الليلُ يُمطِرُها بلعنتِهِ!

 

(3)

أنا امرأةٌ من الشرقِ

أنا بالله مؤمنةٌ

وموقنةٌ

بأنَّ الوقتَ قد حانا

لتسقطَ هالةُ الماضي الذي كانا

بقسوتِه

وسطوتهِ

ليخرجَ من بلادِ القهرِ والموتِ

بلا عودة

ومن وطن الحساسينِ التي احترقتْ حناجرُها

بفعلِ الظلمِ والكبتِ

ومن وطن المجانين الذين يواجهون العصرَ

بالإسفاف والصوتِ

ليخرجَ غير مأسوفٍ على أفكاره المُرَّة

أنا من أمة عَقِمتْ

لتجعلَ من رجال الدين قدوتَها

أنا من أمة ظلتْ

حبيسةَ ذلك الماضي،

تريد العيش في الماضي،

وتهوى الموت في الماضي،

وترغبُ أن تظلَّ هناك، في أيامه البيضِ الخرافية

تجوبُ الأرضَ هائمة

ترددُ في المدى المفتوحِ قصتَها البدائية

أنا من أمة مهزومةٍ

شعثاءَ

منسية

حضارتُها بدائية

مشاعرُها بدائية

وترفضُ ما يُسمى اليومَ "حرية"

وكلُّ رجالها يخشون أحلامَ الفراشات الحريرية

فتسقطُ دونَ أن تدري

وتغرقُ دون أن تدري

وترفضُ من يُعلمُها، التخلصَ من توحشِها

وكيفَ تعود للتحليق كالطيرِ

أنا من أمةِ التدجيلِ والسحرِ

أنا من أمة يشتاقُ أهلوها

إلى مستنقع الظلماتْ

أنا من أمة في جوفها أممٌ من الأمواتْ!

 

(4)

أنا امرأةٌ من الشرقِ

أنا عشتارُ آلهةُ العطاءِ

وربة الصفصافْ

أنا لغةُ الهوى، والبحر، والأصدافْ

أنا الإيمانُ

والإلهام، والفكرةْ

أنا أنثى، وفي صدري حملتُ النارَ والثورة

وصوتي لم يكن عارا ولا عورة

وأحلامي الجميلةُ لم تكن عاراً ولا عورة

ضجيجُ حناجرِ السفهاءِ، يجترون فتنتهم، هو العورة

وفُتياهم هي العورة

وكل ثقافة خلعت ملابسها بلا خجلٍ

أمامَ الشيخِ

والدرويشِ

والعفريتْ

هي العورة

 

(5)

أنا امرأةٌ من الشرقِ

أنا عربية حرة

أحب الله والإنسان بالفطرة

أنا لم يضطهدْ حُريتي إلا

ظلاميٌّ يُحبُّ القمعَ بالفطرة

ويؤمن بالخرافات الجنونية

تخدره أحاديث عن الخلفاءْ

عن العدل الإلهي الذي نشروه في الدنيا

وينسى "غزوة الحُرة"

ويسجدُ للنصوص الصلدة الصماءْ

يُرددُ كل أقوال معقدةٍ رُخامية

ظلاميٌّ

ويرغبُ أن يراني مثلَه امرأة ظلامية

تُسيِّرُه سياطُ الحقدِ

تنهرُه نُصوص الدين

وتُطرِبُ عَقلَه المأفونْ

تعلمه اضطهادَ الشعر والألوانْ

تعلمه اضطهادَ الحبِّ والألحانْ

وتجعلُه، عدوَّ الخلقِ والإبداعِ بالفطرة

وتجعله، يحبُّ العيشَ في الخمسينَ للهجرة!

 

(6)

أنا امرأةٌ من الشرقِ

ستبقى أمتي مهزومةً

شعثاءَ

منسية

إذا ظلتْ تُعذبُني صباحَ مساءْ

وتدفنني بغير حياءْ

وتطعمُ جثتي للرملِ في الصحراءْ

إذا ظلت تعذبني بأفكارٍ ذكورية

وعاداتٍ ذكورية

وأقوالٍ معقدة حديديةٍ

ستبقى أمتي دوماً

تغذُّ السيرَ عكسَ مسيرةِ التاريخْ

إذا ظلتْ تكررُ نفسَها

وتعيدُ طحن الماءْ

وتجعلُ في الحجاب العزةَ الجوفاءْ

أنا من أمة تهوى تقهقرَها

وتجعلُ خرقةً خرقاءْ

تُفرقُها،

تبعثرها

تشتتُها

كمثل الجثةِ المنثورة الأشلاءْ

 

 

كاليفورنيا

9 – نسيان - 2010