قالت لي الدنيا...

موقع الشاعر ناصر ثابت

ذكرياتٌ مُطفأة

[إلى شادي أيوب]

... وافترقنا مرةً أخرى على دربِ السنينْ
غير أني يا صديقي
لي رجاءٌ واحدٌ قبلَ مُضيي في طريقي
هل لنا أن نقسمَ الكونَ الى نصفينِ
نصفٍ من رياحينٍ
ونصفٍ من رحيقِ؟

***
يا صديقي
أعبر النهرَ الى شعري قليلا
أعبر النهرَ الطويلا
تجدِ العمرَ قصيراً، مثلَ قامات اليمامْ
تجدِ الغيمَ تراباً
والبساتينَ رحيلا
تجدِ القهوة شيئاً مستحيلا
وعبيرَ الزهرِ صلباً كالحجرْ
وشعاعَ الشمسِ خيطاً من غُبارْ
يا صديقي
أعبر الشعر الى نهري قليلا
إنما اللحظة ثقبٌ في جدارْ

***

كصدى الشوق، تدلى
رُطبُ العمرِ جَنيَّاً من نخيل الذكرياتِ المطفأة
يومَ كنا نتسلى
بالسذاجاتِ العظيمة
ونغني لنساءٍ من ضبابٍ وغموضْ
ونصلي لاحتراق السنديان الماورائيِّ
بنيرانِ القريضْ
ربما كُنا رماحا
وافترقنا
واختفينا في المرايا
خلف أسراب الفراشاتِ
وأكوامِ الهدايا
وحكاياتِ الصورْ
ربما كنا شعاعاً من زجاج
ثم أصبحنا شظايا
فوقَ أغصانِ الشجرْ
يا صديقي
قد تغيَّرتَ كثيراً
مثلما قلتَ
فيا ليتك لا تهزأُ من دمعِ الضحايا
حينَ يبكونَ الضميرَ المستترْ
ويموتونَ على دربِ المطرْ

***

قمرٌ من قلقٍ غضُّ الهوى
وسحابٌ مثل أفكاري هُلاميٌّ
ونجمٌ كاشتياقٍ الليلكِ
كلُّها سوفَ تُغطيكَ كظلٍّ ملكيْ
هذه فلسفة الرفضِ
نشأنا، عند واديها المقدسْ
إن فيها نارَنا العطشى
وفيها، يُكتبُ العشقُ على فلٍّ ونرجسْ
هل لنا أن نُرجعَ الشمسَ الى سيرتها الآولى
ولا نزرعَ في الأرضِ الولاءاتِ جُزافا
هل لنا أن نتركَ الأصنامَ حيرى
كرياحٍ تتعافى
من طقوس الموتِ قهرا
ليس في القلبِ مكانُ الصفويينَ
ولا خيمةُ ظلٍّ للكسالى
ليتنا لا نوقظُ التاريخَ من غفوتهِ
ليتنا لا نُرهقُ الموتى جدالا

***

يا صديقي
يا حبيبَ الذكرياتِ الأزلية
والتفاصيلِ الشهية

أيها المجبولُ في آنية الريحانِ
مع ماءِ البنفسج
والمحلّى بطيوبٍ من أغاريدٍ وعوسجْ
إن بي شوقاً الى كل هواءٍ فاخرٍ
كنا شربناهُ معاً
وإلى شَهدٍ قطفناهُ بحبٍّ
من زهورِ العربية
إن بي شوقاً الى عيدٍ طريٍّ
من غناءٍ وصبايا وابتساماتٍ فتية
وإلى كلِّ المساءاتِ التي فيها سمعنا
أمَّ كلثومَ وفيروزَ وكاظمْ
وقرأنا لنزارٍ
وطربنا لشموخ المتنبي
واكتفينا.. بالهزائمْ!
يومَ كنا سعداءْ
نلتقي والضحكَ المنثورَ كالحَبِّ على صدر المساءْ
دائماً.. دونَ عناءْ
يومَ كُنا
نشربُ التاريخَ خمراً من كؤوس الأتقياءْ
يومَ صدقنا الرواياتِ
وأصغينا الى صوتِ السماءْ
حينَ صدقنا رجال الدينِ
من غيرِ نقاشٍ
وظننا صوتَهم صوتَ السماءْ
يومَ كُنا سفهاءْ!

***

وأنا الآنَ وحيدْ
في منافٍ من ثلوجٍ
ودروبٍ من جليدْ
لي عصافيري التي يُطربُها الحزنُ
وللناس نسورٌ من حديدْ
وَيْ كأني يا صديقي
جئتُ في الوقتِ الغلطْ
والتقينا أنا والشعرُ على الأرض الغلطْ
بل وفي الكونِ الغلطْ

فمتى يستسلمُ الناسُ لأطيافِ النشيدْ؟
ومتى يهزمُنا جيشُ الورودْ؟
ومتى يحتلنا الحبُّ ويجتاحُ الوجودْ؟



كاليفورنيا
28 شباط 2009