قالت لي الدنيا...

موقع الشاعر ناصر ثابت

احتفاءً بالجسد المقدس

(1)
الشعرُ يكتبني صباحاً
ربما، قلقي هو الأقلامُ والأوراقُ
لكني إذا ما التفَّ قرصُ الشمسِ بالدنتيل
أو نضجتْ تجاعيدُ الزجاجِ
تركتُ للشعرِ المكلل بالرؤى حريةَ الإيقاعِ
حتى لا يظلَّ على الزوايا..
كالنقوشِ المبهمة...

الشعرُ يكتبني صباحاً..
حتى إذا انصرفَ السحابُ الى مدائنهِ
رأيتُ جميعَ أحزاني معلقةً على شجرِ السماءِ
وضجةٌ محدودةُ التأثير تقطرُ من أصابعها
وبعضُ وجوهِ أهل الأرض تزهو بانفعالاتِ النحاسِ
كأنهم عاشوا وماتوا في كهوفٍ مظلمة

(2)
للكونِ ظلٌّ، مثلُ أفراحي ضئيلٌ
موغلٌ في شهوةٍ كالنور فاترةٍ
لها سبعُ ابتساماتٍ
وساعةُ رملها لا تنتهي
وجميعُ من في الكون يرتكبُ النبيذَ
ويغتذي من صمتِهِ
إلا أنا
كلُّ الفلاسفةِ الكبارِ
الأنبياءُ الأتقياءُ
وسائرُ الشعراءِ تقريباً... سوايْ
مع أن آلهة الوجودِ تكرمتْ يوماً عليَّ بعطفها
فتحتْ ذراعيها وقالت:
"خذ من دمي ما تشتهي"
الشعرُ يكتبني صباحاً..
وأنا الذي سبقَ الجميعَ بموتِهِ

(3)
لا يمنحُ التأريخُ سرَّ خلودِه
إلا إلى قيثارةٍ ثلجيةِ الإنشادِ والإلهامْ
والعالمُ المسكوبُ في كأسٍ من الزمن الذي يمتدُّ
من أقصى الخلودِ الى نهايات الكلامْ
يمشي على صفينِ من دمعٍ
على أشياءَ نائيةٍ
تُفكرُ في اعوجاج الدربِ
تنزفُ ذكرياتٍ كالسهامْ
العالمُ المسكوبُ في الأقداحِ
تشربه إناثُ الريح
تسكرُ عنده الغدرانُ
والشطآنُ
والقدرُ الذي سيظلُّ مرمياً على أحد الكواكبِ كالحُطامْ

(4)
استيقظتُ هذا الفجرَ مقتولاً
وأشلائي ممزقةٌ
وروحي مثلُ ثلجٍ ذائبٍ في أغنياتٍ من دمٍ ونبيذْ
صليتُ للشعرِ الشهيِّ
ركعتُ مثل الانبياءِ أمام نصٍّ حالمٍ ولذيذْ
والوقتُ كان مسربلاً بصلاتنا
ومكبلاً بصرير رعشته
له إيقاعُ مصباحٍ
ورقصةُ شاعرٍ منبوذْ

(5)
آخذُ حمامي اليوميَّ
وأحلقُ ذقني
وأمسُّ بخفة طفلٍ بعضَ الطيبْ
وأجهِّزُ نفسيَ للقاءٍ من نوعٍ مجنونٍ وغريبْ
أجلسُ في ساعاتِ الفجرِ امام الأوراقْ
أنتظرُ قُصاصات الأحلام.. فلا تأتي..
انتظرُ النورسَ
لكن النورسَ، حتى النورسُ، لا يأتي
أنتظرُ الشعرَ
ولكنَّ الشعرَ يُغادرُ كلَّ الكونِ.. ولا يأتي
أستسلمُ لليأسِ
أخطُّ وصيتيَ الآولى بعد الألف.. وأغرقُ في صمتي.

(6)
الشعرُ محاولة خرقاءُ لكسبِ الوقتِ
أمامَ الآلهة العجلى
والفكرةُ قمرٌ كالميلادِ فجائيٌّ
وأنا قد تؤلمني أحلامي بالضبطِ كما يؤلمني ضرسي
في أرضِ الشعرِ
أشارتْ فاتنةٌ لي بأناملها المصقولة من بلور الهمسِ
قالت: دعْني أسكنْ في صحرائكَ
حتى تشفى من سرِّ ضياعكَ
أو حتى تسقطَ من غدرانكَ قطعُ الشمسِ

(7)
أكتبْ فإنك ما خُلقتَ سوى لهذا الهمِّ
واجمعْ أغنياتِك من عذاباتِ الليالي.
اكتبْ تفاصيلَ انتسابك للظلالِ
اقطف معاركك الجديدة من على شجرِ السؤالِ
امشِ، احترسْ رملَ الحكاياتِ القديمة
واحترسْ دمَكَ المعتقَ
لا تقلْ إلا كلاماً موغلا في العشق
رطباً
أنثوياً
أحمرَ اللحظاتِ
ملحيَّ المذاقْ
أدعُ السماءَ الى النزالِ
قلْ ما تشاءُ
ودَعْ سفينةَ كبريائك بين أمواج النوارسِ
واستبق ضرباتِ حاضرك العُضالِ
غجرُ النصوص المستبدةِ
يجثمونَ على صدور اللوزِ
والنعناع... والدفلى
ويغتالونَ آلهةَ الجمالِ
يتكاثرون بلا حسابٍ كالرمالِ
يتضاءَلون بلا حسابٍ واضحٍ أيضاً كغيم الإنفعالِ

(8)
يا أيها الجسدُ المقدَّسُ قد عبدتُكَ
قم بنا نبنِ السماءَ بعشقنا الصوفيِّ
لي فرحُ الزجاجِ إذا تكسرَ في غدير وجومنا
ولك البدايةُ والنهايةُ
واختلاطُ النور بالريحانِ
والحزنِ المسالمِ بالغنا
يا أيها الجسدُ المقدسُ،
خذْ بربك روعة الإدهاش
واترك كلَّ همٍّ لولبيٍّ لي أنا.

(9)
قلتُ انتظرني
أيها الشعرُ انتظرني
سأعدُّ أشيائي على عجلٍ
حساسيني
وأكواماً من الكلماتِ
ثمَّ حقيبةً ملآى بكل الأغنيات الممكنة
سأعدُّ أقماري على خجلٍ
وأطواقَ الندى
وحقيبةً من حسرةٍ أخرى جمعتُ خيوطَها من ذكرياتِ الأزمنة
سأدور في بيتي لكي أبقي النوافذَ فيه شارعةً
الى الأفق البعيدْ
فلعلَ بستانَ الظلال يزورني في غيبتي
ولعلَّ أطيافَ الصبايا الآتياتِ على ظهور الأحصنة
يدخلنَه في غيبتي
ليهبنني الدنيا وما فيها
فأمنحهنَّ فضةَ لوعتي
وقصائداً عطريةً وملونة..

(10)
قلتُ انتظرني
أيها الشعرُ انتظرني
فقصيدتي ستعدُّ لي فنجانَ قهوتيَ الصباحيَّ الجديدْ
ستعدُّ لي جسراً لأعبره إلى الأفق البعيدْ
فلربما أقضي بصحبتك الحياة بطولها
ولربما أنسى تفاصيلي هناك ولا أعودْ

كاليفورنيا
16-11-2008