قالت لي الدنيا...

موقع الشاعر ناصر ثابت

وردةٌ على قبرِ الشهيدِ الدكتور فرج فودة

(1)
تأخرتُ يا سيدي في رثائِكَ
لكنها عادتي الأبديةُ
يهربُ مني الكلامُ المنمقُ في حَضرةِ الموتِ
ثمُّ تُلحُّ عليَّ الحياةُ
فيخبو الذهولُ الذي يعترينا
إذا خطفَ الموتُ أحبابنا
وألاحظُ أنَّ القصائدَ
كالقهوة العربيةِ
تبردُ بعدَ وقوع القَدَرْ
وتفقدُ ذاكَ البهاءَ المضيءْ
(2)
أيا فارساً جاءَ في الزمنِ العربي الرديءْ
وحاولَ ألا يُغادرَهُ والعقولُ يعششُ فيها الظلامُ البذيءْ
لماذا سمحتَ لمن خرجوا من دهاليزِ تأريخِنا الدمويِّ المزيَّفِ أن يقتلوكْ؟
لماذا تركتَ الفضاءَ وباحته
مرتعاً لقساةِ القلوبِ وغادرتنا بهدوءْ؟
كما يفعلُ العُظماءُ الفريدون غادرتنا بهدوء..
فمن بعدَ موتكَ سوف يعلمنا كيف نخرج
من بئر واقعنا العربي القميءْ؟
ومن كان منا يظنُّ ولو لحظةً واحدة..
بأن التقدمَ يكمنُ في هدمِ كل الخرافاتِ والترَّهاتِ بقلبٍ جريءْ؟

(3)
تأخرتُ يا سيدي في رثائِكَ
لكنني من دنانِك – يا أيها العبقريُّ –
سكبتُ كؤوساً من النورِ والأقحوانِ
شربتُ،
وصليتُ في لغة النارِ بين الرؤى والمعاني..
وجدتُكَ في كلِّ حرفٍ عظيماً
فتيَّ الكلامِ
رشيقَ الأحاسيسِ... عذبَ البيانِ
تشيخُ النجومُ
البحارُ
السماءُ..
وفكركَ - كالفتياتِ الجميلاتِ – مزدهرٌ لا يشيخُ
وتنهارُ كلُّ قلاعِ الظلامِ
وروحُكَ يسطَعُ منها الشموخُ
تموتُ،
ولكنَّ نهرَ ابتساماتِك الأبديَّ
يظلُّ سليمَ الأغاني..
وترحلُ،
لكنَّ نورَكَ فينا وصوتَ حضورِك
لا يرحلانِ

(4)
حقائبُ أفكارِكَ المشتهاةِ
حقولٌ من الضوءِ تسكنُ فيها..
وتقطفُ منها الطيورُ عشاءً أخيراً
تقدمه في المساءِ إليكْ
ورغمَ رحيلِك..
ما زلتَ مثل النبيِّ تطلُّ علينا
تزيحُ ستائرَ من غيمِنا الكثِّ
ترقبُ حزنَ الوجوهِ الدفينْ
فتبدو العيونُ كأن بها قلقاً وشجونْ
وتبدو الصدورُ كجدران طينْ
وواقعنا المرُّ
ما زالَ يرقصُ بين الحُطامِ
على نغمِ الحاقدينْ
وما زالَ فينا أناسٌ يعبّونَ باسم الإله الدماءَ
ومن كأسها يشربونْ
ولا يأكلون سوى جثثِ الأبرياءِ... ولا يشبعونْ
لهم دينهم يا صديقي، وللناسِ دينْ

(5)
إذا بدأوا باجتثاثِ الزهورِ الجميلةِ من أرضنا
قرأنا لهم بعضَ قرآننا العربيِّ الكريم
وقلنا لهم "باسم ربِّ السمواتِ، هل أنتمُ منتهون؟"
وإن بدأوا باجتثاثِ الفراشاتِ
والأغنياتِ
مددنا لهم باقةً مِن كتاباتِك المستنيرةِ
لكنهم كالبهائمِ...
لا يقرأون.. ولا يكتبونَ.. ولا يعقلونْ
يحبونَ عزفَ الدمارِ،
ولا يسأمون... ولا يتعبونْ
يحبونَ لونَ الدماءِ
ولا يفرحونَ لنبضِ الحياةِ الجميلةِ في نظراتِ العيونْ
لهم دينهم يا صديقي..
وللناسِ دينْ

(6)
ورغمَ رحيلكَ
ما زلتَ مثلَ النبيِّ تُطلُّ علينا
تزيحُ ستائرَ من غيمنا الكثِّ
ترقبُ حزنَ الوجوهِ الدفينْ
ترى صوتنا يتلاشى
أمامَ قساة القلوبِ من المسلمينْ
أمامَ الذين يظنون أنهمُ مسلمون
أمام الذين يظنون ان الإله يوكلهم باسمه
كي ينالوا من العالمين
فيا ليتهم يعلمونْ
بأن السماءَ العظيمةَ ترفضُ ما يفعلونْ
وأنهمُ أصبحوا بسيوفهمُ العبثيةِ أشقى من المجرمين
وأن العقولَ إذا أغلقتْ
أصبحتْ مرتعاً للتخلفِ أو ملعباً للجنونْ
وأن العقولَ السليمةَ ترفضُ ما يفترونْ
ولكنهم أيها الفذُّ،
لا يقرأون ولا يكتبونَ ولا يعقلون
لهم دينهم ياصديقي...
وللناسِ دينْ


كاليفورنيا
7-12-2008