| « وردة حمراء | شجرٌ أسود - شعر ناصر ثابت » |
ثورة ضد انفسنا... ثورة ضد عقليتنا... بقلم ناصر ثابت
على وقع أنغام الفتنة التي بدأتها قناة الجزيرة، وشغلتنا بها فترة من الزمن، قامت مؤسسة عربية في جنوب كاليفورنيا، مشكورة، بتنظيم ندوة خاصة بالوثائق المنشورة الخاصة بالتفاوض الفلسطيني الإسرائيلي. الندوة كان فيها المهاجم للسلطة الوطنية الفلسطينية مستغلاً موضوع الوثائق، وكان فيها من رفض هذه الوثائق وتحدث عن تحريفاتها وماشابها من التزوير واخراج الجمل من سياقها واستغلالها، وفهمها بطريقة متعسفة. وعندما جاء وقتُ كتابة تقرير صحفي عن الندوة لنشره في إحدى جرائد الجالية العربية الصادرة في جنوب كاليفورنيا، والتي يرأس تحريرها أناس من القائمين على الندوة، وعلى إدارة هذه المؤسسة العربية، كان التقرير يتحدث عن جانب واحد من الآراء المطروحة في الندوة. أي أنه تحدث عن المهاجمين للسلطة الوطنية وتجاهل الرافضين للوثائق. في أزمة مصر، قلة من هذه الجرائد عرضت الحدث بالتوازن الصحفي المهني المطلوب. فمثلاً إذا نظرنا الى موقف الفنانين، فسنجد من هو مؤيد لتنحية مبارك "فوراً" ومن هو معارض لهذا الأمر ورافض لإهانته، ويعتقد بوجوب الانتظار الى الانتخابات المقبلة غير البعيدة زمنياً. لكن كل جريدة من جرائدنا أخذت موقف مجموعة الفنانين المصريين الذي يعجبها، وتجاهلت الآخر تماما، ضاربة عرض الحائط بالمهنية الصحفية والتغطية الموضوعية. قلة هي الجرائد التي أوردت على صفحاتها آراء كل الفنانين على اختلافها. ما أريد قولَه من هذه الأمثلة، إن العرب بطبيعتهم ذوو عقلية متسلطة، ديكتاتورية، رافضة للآخر، بل ومدمرة للمخالف في الرأي، ومخفية له. العرب يقصون الرأي المخالف لهم ولا يعرفون كيف يتقبلونه ولا كيف يناقشونه، ولا كيف يحترمونه. إن الإكثار من كلمات التخوين والتكفير في حوارات العرب ونقاشاتهم يؤكد هذا الأمر. فأنت عندما تتهم احداً بالكفر أو بالخيانة فإنك إنما تدمره وتقضي عليه، وتقصيه بديكتاتورية وتسلط وإصرار على رفض الآخر. ولو كان في يدك مسدس لأطلقت عليه النار إن كان عندك الشجاعة اللازمة أو إن سمحت لك القوانين بذلك. وفي الثورات الشعبية التي يتحدث عنها الناس في العالم العربي اليوم، تبرز الكثير من امراض التفكير العربي. فمثلا، يجدُ الكثيرون منا في أنفسهم الشجاعة، بل وأسميها الوقاحة، لدعوة الآخرين الذين يعيشون في الدول العربية الأخرى للثورة على أنظمتهم، مع الإصرار على رفض الثورة في بلده. وجدتُ هذه المواقف من بعض السوريين الذين يشجعون المصريين على الثورة على النظام المصري بدعوى ديكتاتوريته، ويرفضون الثورة في سوريا لأسباب نجهلها! والحقيقة التي لا يمكن تجاهلها، أنه بمقاييس الديكتاتورية، فإن النظام السوري هو الأسوأ في العالم العربي، بل وفي كل العالم، ولا جدال في ذلك. الفتحويون يدعون للثورة في غزة، والحماسيون يؤكدون أن غزة تعيش في أحسن أحوالها ولا تجبُ الثورة فيها، إنما تجبُ الثورة في الضفة. وطبعاً يرفض الفتحويون ذلك ويؤكدون أن الضفة الغربية واحة للديمقراطية ولا داعيَ للثورة فيها. وانا أقول، على الشعب الفلسطيني في غزة وفي الضفة، إن كان لا بد من ثورة يقوم بها على قيادته، أن يثور ضد الانقسام الفلسطيني البغيض. فهل يفعلها يوماً ما؟ والأمثلة كثيرة على طريقة تفكيرنا المصابة بالحول السياسي والمنطقي. أما إن سألتني عن رأيي فيما يحدث في مصر، فأنا سعيد جداً لهذه الثورة الجميلة التي استطاعت ان تحقق كل المطالب التي خرجت منادية بها. ولكنني أرفض، وهذا رأيي، أن يتم التعامل مع الرئيس مبارك مثلما تم التعامل مع زين العابدين بن علي. فمصر أفضل الدول العربية من حيث الديموقراطيةُ وحريةُ التعبير، ومن حيث الصحافة والقضاءُ ومؤسسات المجتمع المدني. الديكتاتوريات فقط هي التي يتم خلعها بالنموذج التونسي. أنا لا أقول إن مصر هي المثال المنشود في هذه الأمور إنما أقول إنها الأفضل في الدول العربية ولا ينافسها إلا لبنان. بالتالي يتوجب علينا أن نتخلص من النموذج التونسي في تفكيرنا وأن نعطي الرئيس المصري فرصة للتنحي بطريقة سلسة وديموقراطية وسلمية، حفاظاً على أمن مصر، وبالتالي حفاظاً على استقرار الوطن العربي ككل. مصرُ فيها تسعون مليوناً من البشر، وأي مساس باستقرارها سيكون مدمراً للجميع. ولا يجب ان نقنعَ أنفسنا ولو لحظة واحدة أن التسعين مليوناً من المصريين كلهم يعارضون الرئيس مبارك. إنما فيها من هم معه ومن هم ضده وبنسب عالية. حفظَ الله مصر... ووقاها كل شر وكل سوء.ثورة ضد انفسنا... ثورة ضد عقليتنا... بقلم ناصر ثابت
