قالت لي الدنيا...

موقع الشاعر ناصر ثابت

الحمد لله أن فتح مترهلة..!

قال لي أحد "المتفذلكين"، هل تعتقد أنك ستجعلني أؤيد حركة فتح بمقالاتك؟ إن بليون مقالة مثل مقالاتك لن تجعلني أؤيدها..
قلتُ له: ومن قال لك إنني أريدك أن تؤيد فتح، أمثالك الذين يعشقون مرتكبي المجازر والقتل والتعذيب، سألعن حركة فتح دون تردد إن أيدوها..!
لن أمل من التذكير بمجازر ارتكبتها الحركة المارقة التي تختطف غزة بقوة السلاح. لن أمل من التذكير بمجزرة الأحد الأسود ولا مجزرة موقع قريش، ولا حتى مجزرة الأمن الوطني عند كارني، ولا المجزرة التي ارتكبتها بمهاجمة قافلة الإمدادات اللوجستية، ولا ضد غريب أبي المجد وأهل بيته ولا اغتيال بهاء جراد ولا سحل جثة الشهيد سميح المدهون بهمجية منقطعة النظير.
حقيقة إن كان هذا هو الإسلام كما نزل على النبي العربي الكريم، فبئس الإسلام وأهله. يكفي حماس "فخراً" أنها سطرت لنا نموذجاً غير مشرف في أسلوب الحكم "الإسلامي".
والله لو كانت فتح ارتكبت كبيرة واحدة من هذه الكبائر، لكانت الجزيرة وأخواتها أرهقت أسماعنا وأبصارنا بتقارير مصورة ومكتوبة ومضخمة عنها ليل نهار.
الحمد لله أن عيب فتح هو في ترهلها على مستوى تنظيمها. حتى فساد السلطة الذي ضخمه الإعلام وحاك عنه القصص والحكايات، وألف عنه الروايات والمسرحيات، أفضل مئة مرة من هذه الجرائم الخطيرة التي ارتكبت باسم الدين، وباسم الشعب الفلسطيني.
كم أتمنى أن يشرح لنا أحد قادتهم كيف عبأوا عناصرهم حتى يقوموا بهذه الجرائم؟ كيف تمت تربيتهم بحيث يصبح سحل الجثث وإلقاؤها من الطبقات العليا شيئاً عادياً؟ كيف تعلموا تدمير البيوت على رؤوس أصحابها وارتكاب القتل في المساجد، في الخلافات التي جرت مع أبناء الجهاد الإسلامي؟ كيف تنهال الهراوات الإسلامية على رؤوس المصلين؟ وكيف يُرتكبُ التعذيبُ في باستيلاتهم القذرة بهذه السهولة؟ كيف تربى ذلك الحمساوي العبقري الذي وجد في نفسه الجرأة لتمزيق ساق الأخ عماد
مدوخ لدرجة ظهور عظم الساق للعيان؟ كيف وجدوا في أنفسهم النية والقدرة على اختطاف إبراهيم أبو النجا وإهانته بهذه الطريقة الشائنة؟
عشرات الأسئلة غيرها تدور في ذهني الآن. ولكنني أحمد الله مئة مرة أن عيب فتح في ترهلها. أليس ذلك أفضل بكثير من أن تكون فتح مرتكبة مجازر مثل حماس وإسرائيل؟ الترهل والفساد يمكن معالجتهما بإخلاص النية، ولكن كيف يمكننا ان نصحح جرائم القتل الموجه والمنظم، والمعروف أنه تم بإشراف مباشر من قيادات حماس؟
إن حركة مترهلة تحتاج إلى إعادة تنظيم أفضل مئة مرة من حركة منظمة، يُسير أعضاؤها بالريموت كنترول، وتنتشر فيها عبارات السمع والطاعة، وفي النهاية لا تتورع عن سفك الدماء.
فبمقارنة بسيطة، نجدُ أن مجزرةً مثل مجزرة يوم الأرض الخالد التي ارتكبها
الصهاينة عام ستة وسبعين وتسعمئة وألف، لم يُستَشهَد فيها أكثر من سبعة أشخاص، بينما استُشهِدَ في موقع قريش أكثر من عشرين من عناصر الأمن الوطني، الذين أعيد التذكير أنهم من المتدربين الذين لم يتعلموا بعد حمل السلاح!
أيها القارئ الكريم، إن تأييد الإنسان لمبدأ ما ينبع من مجموعة عوامل معقدة، تتفاعل معاً لإنتاج تصور شامل، يختلط فيه تأثير الفكر والممارسة، ويتحدد بالكثير من المفاهيم الشخصية والتربوية. وحتى لو أن الإنسان آمن بهذا المبدأ إيماناً مطلقاً، فهو في النهاية لا يستطيع أن يضمن مئة بالمئة أن كل جزئياته (فكراً وممارسة) موافقة لآرائه الخاصة التي تكونت شخصيته على تبنيها، وتربى عليها منذ بدأ وعيه يتشكل.
ومع ذلك،  فهذا الإيمان لا يمكن تغييره بكل بساطة بمقالة أو مقالتين، بل يحتاج أحيانا إلى الكثير من الكتب والدراسات والحوارات، هذا إن افترضنا أنه يرغب بتغييره ويبحث عن بدائل له. وهذا الكلام لا يتعارض مع قدرة الإنسان المتفتح ذي البصيرة على تجديد ذاته، وتغيير ما يؤمن به، وتحسين أفكاره وتطويرها.
لذلك فنحن لا نكتب الا للتعبير عن أنفسنا بالدرجة الآولى، وللدفاع عن مبادئنا ومعتقداتنا بالدرجة الثانية، وهذا من واجبنا. حتى القرآن الكريم أنزله الله تعالى وقال فيه عز من قائل: "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"، فمن نحن لنحلم بتغيير الناس بجرة قلم؟
مناسبة هذا الكلام، هو ما ذكرته في بداية مقالتي هذه عن أناس يعتقدون أنني أكتب لاستجداء تأييدهم لما أقول، ولمحاولة إقناعهم بتغيير أفكارهم أو حتى التخلص منها، والبدء بتأييد أفكاري الخاصة.
أنا مقتنع أن التكوين النفسي للشخص الذي يؤيد الحركة الشهيرة، خاصة بعد ارتكابها للجرائم والمجازر في غزة، يجعل هذا الشخص لا يشكل بالنسبة لي هدفاً أمارس عليه التنظير حتى أضمه إلي من يؤيدني، ولا حتى مغنماً أو مكسباً كمياً أو نوعياً، سأحس بالسعادة الغامرة إن تخلى عن تأييده وتبعني، بل سأشك ساعتها في نفسي كثيراً.
إن قيام الإعلام المنحاز بالمحاولات الحثيثة لتغيير اتجاهات الرأي العام العربي، لهو عملية مقيتة ومرفوضة، كنا نتحدث عنها باشمئزاز، ونستنكر حدوثها في
مجتمعات راقية مثل الولايات المتحدة حيث تعمل وسائل الإعلام بكل أنواعها لتلميع إسرائيل بالرغم من تاريخها الأسود الحافل بكل أنواع الإجرام، فكيف نسمح لأنفسنا بممارستها الآن بعضُنا ضد بعض؟ وسائل الإعلام الأمريكية تعمل على تلميع صورة اسرائيل مغتصبة الأرض ومشردة
الشعب، ووسائل الإعلام العربية التي تدعي الحياد تعمل على تلميع صورة حماس القاتلة الدموية، التي أجرمت بحق خصومها وهم جزء من نفس الشعب الذي يحتضنها، أليس في هذا مفارقة عجيبة؟
في النهاية لا نقول إلا "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر".
22 شباط 2008