قالت لي الدنيا...

موقع الشاعر ناصر ثابت

القشة التي قصمتْ ظهرَ المُمانعة!

كان مشهدُ تراكضِ قوى الممانعة المختلفة للتملصِ من حادثةِ إطلاق بضعة صواريخ صدئة من جنوبِ لبنان مثيراً للشفقةِ، بل كان بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير. فدولُ ومنظمات الممانعة كافة ودون استثناء أكدت أنها لم تقم بالعملية وأنها لا يمكن أن تفكر بالقيام بها. وهكذا تكون هذه القوى قد مارست ممانعتها في نطاق الحناجر مكتفية بالخطابات الجبارة والأفعال المجهرية!

الآن فقط يمكننا أن نقولَ بكلِّ صراحةٍ أنَّ زمن المزايدات قد انقضى، أو قارب على الانقضاء. حتى المقاومة على الأرض في غزة ظهرت في حجمها الطبيعي. وأقصد بحجمها الطبيعي أنها مقاومة عادية جداً، فيها صمود رائعٌ لشعبٍ تحت الإحتلال، وهذا لا يعني أنها ليست بطولية أوأننا لا نحترمها. فنحنُ شعب تربى على عشق النضال، وعلى احترام من يحملون السلاحَ في وجهِ المحتلين، لكنَّ الذي ظهر جليا أن حركة حماس كانت قبل الحرب قد بالغت في تمجيد نفسها وفي استعراض قوتها، لدرجةِ أنها توعدت بجعل القطاع مقبرة للغزاة، ولكن هذا لم يحدث. وأصبح القطاعُ مقبرةً للأبرياء من أبناء شعبنا، لأن أكثر من نصفِ الشهداء كانوا من الأطفال والنساء والشيوخ. واتضح أن المقاومة الآن ليست إلا عزفاً منفرداً وضعيفاً للقسام مع مرافقةٍ باهتةٍ لبقيةِ الفصائل، بعد أن شلت حماسُ قدراتِ الفتحويين النضالية وأخذتها لنفسها، وكسرت ظهرنا بالانقسام غير المسبوق.
وكنا طوال الأعوام السابقة، قد رأينا كتائب القسام تُخرِّجُ "الدفعات العسكرية"، وتقوم "بالمناوراتِ" التلفزيونية والتدريبات الاستعراضية، وتدعي أنها تضمُّ أكثرَ من خمسةٍ وعشرينَ ألف مقاتل بكامل عتادهم، بالإضافة الى ستةِ آلافٍ من الاستشهاديين، بالإضافة الى "قوات احتياط" تستدعيها عند بدء المعركة تماماً كما تفعل الدول! لكن الشدائدَ عادة تكشفُ معدن الرجال، فرأينا هذه القوات الهائلة، وهذه الأجهزة الأمنية والتنفيذية تُختزل في بضعةِ عشراتٍ (أو مئاتٍ على أفضل تقدير) من المخلصين الذين صمدوا وصدقوا ما عاهدوا الله عليه، واختفى الباقون بين الجماهير ولم نرَهم يلقنون العدوَّ درساً كما كانوا يقولون، ولم نرهم حتى وهم يساعدون الشعب المسكين في رفع الأنقاض وإجلاء الجرحى والشهداء. بل ليتهم جابهوا العدوان بنفس كميةِ القوة التي استخدموها لمجابهة أبناءِ شعبهم في مناسباتٍ عدة.
إنها مقاومة شعب أعزل، متسلح بالإرادة وحب الشهادة من أجل الوطن، ولم تكن أبداً مقاومة دول ممانعةٍ ولا تنظيمات ضخمة التسليح.
وخير ما يدلل على كلامنا هو كثرة الأكاذيب التي صاغوها لإثبات أنهم يقومون بما وعدوا به. فادعوا أنهم قتلوا وأسروا العشرات من الجنود الصهاينة، بل سمعتُ منهم من يدعي أن الجنودَ الصهاينةَ بدأوا بتسليم أنفسهم لقيادة أركان القسام!
لكن كلامَهم كان مبالغاً فيه الى حدٍ كبير، لأن الوقائع على الأرض أثبتت عكسَه تماماً، والغريب أن هذه الادعاءاتِ صدرت عن مستوياتٍ قيادية عالية جداً في حركة حماس مثل محمد نزال وغيره، وكانت في الساعات الآولى لبدء العدوان الغاشم.
أقولها بصراحة ورزقي على الله، أنا لا أعرف كيف يحلم شعبٌ بالنصر، وهو منقسمٌ  ومليءٌ بالصراعاتِ الداخلية، ولا أعرف كيف من الممكن أن تصنعَ لنا قيادةٌ مثل قيادة حماس إنجازاً أو نصراً مؤزراً، وهي التي تخرجُ بين الحين والآخر وتطمئنُ الناسَ أن الحركة بخير وأنها لم تتأثر من شدة الضربات، متناسية المئات من الشهداء الأبرياء. هذه التطمينات الغريبة والمتعددة أثارت حفيظة الكثيرين، لكن حركة حماس كررتها الى درجة ممجوجة.
أيضاً، أنا لا أعرف كيف يحاول شعبٌ مُجوَّعٌ، محاصرٌ، وغير مستعد للحرب، أن يُحققَ إنجازاتٍ عسكريةً وهو الذي تعرض للخذلان (عسكرياً على الأقل) من الممانعين قبل المعتدلين!
كيف سينتصر من استغل العدوان لقتل أبناء شعبه وأبناءِ حركة فتح، ووضعهم تحت الإقامة الجبرية واعتدى عليهم وعلى عائلاتهم؟
وبدل أن تنتبه حركة حماس الى مأزقِها الميداني، وتحسنَ إدارته علها تنجزُ شيئا ولو ضئيلاً، بدأت "صمودَها" بهجومٍ حاقدٍ وغير مسبوق على مصر وعلى السلطةِ الوطنية ومؤسسة الرئاسة. وساعدتها جوقةُ "الممانعة" في ذلك، لكنها انكشفتْ مع بدء العمليةِ البرية، واتضح أن هذه الجوقة لم تفعل أكثر مما فعلته مصر، حتى أن بعضها منع المتطوعين والانتحاريين الذين أعدهم مسبقاً من التوجه الى غزة، وبعضها اكتفى بالخطابات، والبعض الآخر بالاتهامات، والادعاءات، وبقي الشعب الفلسطيني وحدَه على الأرض، يقاوم بدمه. وفي النهاية، وبعد هذا الهجوم الناري الخطير ضد مصر، لجأ العابثونَ إليها وذهبوا للقاء اللواء عمر سليمان، علهم يجدون عندها حلاً لورطتهم.
بتُّ مقتنعاً أنَّ قادة حماس ليسوا على قدر من المسؤولية، ولا يمكن اعتبارهم
قادة حقيقيين، وذلك بناءً على مجموعة من الأخطاء والتصريحات التي لا يمكن المرور عليها دون التمعن فيها.
فالسيدُ خالد مشعل قال في لقاءٍ عقدَه مع الأديب اليهودي الفرنسي مارك هالتر إنه إنما أراد استفزازَ إسرائيل استفزازاً بسيطاً ولم يتوقع ضخامة ردِّها، وكأنه يمزحُ معها أو يداعبُها!
أما اسماعيلُ هنية فنطق بما هو أخطر، عندما قال "لن نتنازل حتى لو أبادوا غزة كلها". علماً أنه مختبئ تحت الأرض وأن إبادة غزة التي يتحدثُ عنها لن تطاله على الأغلب. ولنتذكر أن القائدَ الحقيقي لا يختفي في الأنفاق، وشعبه تحت القصف. ولنا في صمود القائد الشهيد ياسر عرفات في بيروت والمقاطعة وغيرها من المواقع عبرة وعِظة.
وأخيرا وليس آخراً ما قاله أسامة حمدان، في تصريح ناري غريب، كشف بواسطته أنه غِرٌّ، وأنه قليل التجربة في القيادة وفنها بشكل خاص وفي نضال الشعب الفلسطيني بشكل عام عندما دعا الفلسطينيين الصامدين في فلسطين المحتلة عام 1948 الى زلزلة الكيان الصهيوني من الداخل!
كل هذه التصريحات، بالإضافةِ إلى رفضِهم لنداء الوحدة الذي وجهه الرئيس محمود عباس وانجرارِهم الى المهاترات والمناكفات في لحظات هم أحوج ما يكونون فيها الى تجنبِ صناعةِ المزيد من الأعداء خاصة من أبناء جلدتهم، ثمَّ لجوئِهم الى الأكاذيبِ والزخم الإعلامي لتضخيم إنجازاتِهم المتواضعة على الأرض، وعدم قدرتهم على التعاطي مع الحراك الدبلوماسي الذي يدور حولهم، واستغلاله لتجنيبِ الغزيين المزيدَ من الدماء، كلُّها تؤكد أن هذه القيادة مهما أظهرت من التماسك إنما هي متخبطة وفاقدة للتوازن.
في ضوء ما تقدم، وفي ضوء رفض حماس وإسرائيل للاتفاق الأممي رقم 1860، يطرح التساؤل التالي نفسه بقوة أمامنا: ما الذي سيحدث؟ وكيف ستتطور الأمور؟
لا شكَّ أن الاحتمالاتِ مفتوحة وغير محدودة، ونحن هنا لا نضع إلا تصورنا لها، ولا ندِّعي العلم بالغيب أو القدرةَ على التنجيم. برأيي أن ما سيحدثُ هو أن إسرائيل ستفرض هدنة طويلة الأمد في غزة على حماس، التي بدورها ستقبل بمثل هذه الهدنة وستلتزم بها، حتى لو كان ثمنُها محصوراً في خروج إسرائيل من القطاع.
فلا يخفى على أحدٍ أن إسرائيل لا تريد البقاء فيه ولا تحب أن تحكمه،  بل
وستتركه لحماس لأن هذا يضمن بقاء حالة الانقسام في فلسطين الى ما شاء لها الله أن تبقى، ويوفر عليها المضي في العملية السياسية ردحاً طويلاً من الزمن، لأنها تعلم أن نجاحَ العملية السياسية يعني المزيد من التنازلات والمزيد من الالتزامات التي لا ترغب بتنفيذها.
وستعلنُ حماس وقتها الانتصار على طريقة حزب الله في حرب تموز 2006، وستمضي في طريقها الذي رسمته لنفسها منذ مدة، وهو طريق الانقسام والاقتتال، واستباحة الدم الفلسطيني، وتدمير القضية، والقضاء على أي فرصة للوحدة الوطنية من أجل فلسطين.
إذن، ما العمل حتى لا نستيقظ يوماً على وقع هذه الهزيمة المحققة لكل الشعب الفلسطيني؟ أعيدُ التأكيد أنه دون الوحدة الوطنية، لا يمكننا أن نهزمَ إسرائيل لا بالمفاوضات ولا بالسلاح. فأين هي هذه الوحدة ونحن في خضم هذه الحرب التي تأكل لحمَ أطفالنا دون رحمة؟
أنا أعتقد أن حركة حماس هي المسؤولة أولاً وقبل غيرها عن تدمير النسيج السياسي والإجتماعي للشعب الفلسطيني، لذلك فإنها إن كانت تريد أن تكسب المعركة بشكل حقيقي، وليس على طريقةِ "ماتَ المريضُ لكن العملية نجحت!"، فعليها أن تتنازل من أجل إنجاحِ الحوار الداخلي، لا أن تستمر في رفضه وشعبنا تطحنُه آلة الدمار الصهيونية!


كاليفورنيا
9 كانون ثانٍ 2009