النصر المؤزر
منذ اليوم الأول للعدوان، بل منذ ساعاته الآولى، كان واضحاً
للجميع أن حركة حماس ستعلنُ النصرَ في هذه الحرب مهما حدث
ومهما كانت النتائج. ولقد رأينا الابتسامة العريضة لا تفارق
وجه خالد مشعل طوال فترة العدوان، والتي لم تكن إلا ابتسامةَ
الرضا عما يحدث في غزة من قتل وتشريد وتدمير، لأنه في النهاية
سيعود عليه بالفضل والمال والشرعية.
وعندما أوقفت إسرائيل
النار من جانب واحد، خرج علينا قادة حماس محتفلين بالنصر
المؤزر بالرغم من جراحات الشعب التي خلفها العدوان الصهيوني.
لا يهم، لكنهم كانوا يقولون لن نوقف إطلاق النار إلا بعد وقف
العدوان وانسحاب إسرائيل، وفتح المعابر وفك
الحصار، وكانت كتائب القسام قد وعدت أن تجعل الجيش
الصهيوني يلملم أشلاء ضحاياه ويولي هارباً. مع أننا كنا نتمنى أن
تقوم بملاحقته الى تل أبيب بعد أن هزمته في غزة!
و يا حبذا لو قضمت بعض الأراضي التي تحتلها
إسرائيل منذ عام ثمانية وأربعين وضمتها الى إمارة غزة العظمى
بإدارة الإخوان المسلمين وشركائهم.
محاولات اغتصاب الشرعية
بعيداً عن الخزعبلات والانتصارات الوهمية، والإنجازات الخارقة لقادة الجحور
والملاجئ، نستطيع أن نلاحظ بوضوح أن حركة حماس أرادت استثمار
العدوان حتى تغتصب شرعية التمثيل الفلسطيني
لنفسها، وهذا كل ما كانت تريده من هذه الحرب،
مثلما طالب أحد قادة الإخوان المسلمين في الأردن صراحة باعتبارها هي الممثل
الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني..
فقصة الشرعية وتمثيل الفلسطينيين في المحافل الدولية والعربية تثير شهية
حركة حماس منذ انطلاقتها أو حتى قبل ذلك بكثير،
عندما كانت مجرد مجمع إسلامي في غزة يعمل على
استمالة الناس مستغلا حاجتهم الى الخدمات الطبية والتعليمية وغيرها
في ظل الاحتلال، ومستغلا العاطفة الدينية الأصيلة في الشعب
الفلسطيني. ولا بأس وقتها من القيام ببعض
النشاطات التخريبية مثل حرق الهلال الأحمر الفلسطيني عدة
مرات ومهاجمة الشخصيات الوطنية بالبلطجة والتكفير.
على كل حال هذا ليس موضوعنا الآن، كما أننا لن نكرر الحديث عن تشجيع
إسرائيل للإسلاميين بشكل مباشر وغير مباشر على
أمل أن ينازعوا منظمة التحرير في شرعيتها يوما
ما. وعندما انطلقت حماس، في الانتفاضة الفلسطينية الكبرى عام
1987، كان عناصرها يفضلون الخروج وحدهم في فعالياتٍ ومسيراتٍ صغيرة
جداً لمواجهة المحتلين، على الانضمام الى
الفصائل الأخرى في فعالياتها المشتركة.
والقصة الخاصة برفضهم الانضمام الى القيادة الوطنية الموحدة معروفة ولا
داعيَ لإعادتها، لكنها صورة من صور محاربتهم
للوحدة الوطنية (حتى تلك المتعلقة بالعمل
الميداني)، لأنها ستقف في وجه طموحاتهم التي لا تتوقف لتمثيل الشعب
الفلسطيني وقيادته.
كما أن حركة حماس، قضت معظم وقتها منذ انطلاقتها وحتى اليوم وهي ترفض كل
شيء يتعلق بمنظمة التحرير، حتى وإن كان إنجازا
أو تقدما على مسار من المسارات أو ما شابه.
رفضها لهذه الإنجازات وخوفها منها نابع من خوفها من الالتفاف الشعبي حول
المنظمة، لذلك كانت تحب أن تصل المفاوضات الى طريق مسدود، وقد ساعدت
بتسريع هذا الطريق المسدود عن طريق عملياتها
التفجيرية المختلفة بين المدنيين الإسرائيليين.
لكن هذه العمليات توقفت، بالرغم من أن فلسطين لم تتحرر بعد،
إنما توقفت لأنها أدت الغرض المنشود منها وهو تخريب العملية
التفاوضية برمتها حتى لا تؤتي أية ثمار ترفع من
الرصيد الشعبي لمنظمة التحرير.
الانقلابُ بحد ذاته، والذي نفذته منتصفَ عام 2007، كان أيضا محاولة دموية
للحصول على شرعيةِ التمثيل الفلسطيني الكامل، لذلك رأيناهم منذ
اليوم الأول يطالبون بفتح معبر رفح (ليس على
أساس اتفاقية 2005 إنما بوجود ممثل لحماس)، ما
يؤكد أن الهدف ليس تسهيلَ حياة الفلسطينيين، بل في أن يوجد لهم تمثيل معترف
به على المعبر، بالإضافة الى التحكم في رقاب
الناس. وهنالك بعض السوابق في هذا الأمر عندما
منعت الكثيرين من العبور، منهم الحجاج وقصتهم معروفة، ومنهم على
سبيل المثال لا الحصر السيد وليد العوض أحد مسؤولي حزب الشعب في غزة
الذي كان
يحاول أن يسافر الى الضفة حتى يشارك في اجتماعات تخص الحزب الذي ينتمي
اليه.
وتحت نفس البند، تندرج محاولة قطر عام 2007 أن تتخطى ممثل فلسطين في الأمم
المتحدة السيد رياض منصور، لتقدم مشروعَ قرار بالاشتراك مع
أندونيسيا يتعلق بالقضية الفلسطينية، ثم ما لبثت
حماس أن هاجمته بكل قوة مدعية أنه يرفض فك
الحصار عن غزة، ما يؤكد أنها تحاول دائما استغلال الوضع الإنساني الخاص في
القطاع لاقتناص الفرص وتكرار المحاولات للعبث بالتمثيل الفلسطيني.
والسؤال الذي يطرحُ نفسه: ما كان ضرهم لو قدموا
مشروع القرار بالتنسيق مع ممثل فلسطين؟
أعتقدُ أن تجاوز منظمة التحرير هو الهدف المطلوب، وليس استصدار قرار يفيد
القضية الفلسطينية.
وعندما رفضت حماس قرار مجلس الأمن رقم 1806، قالت بالحرف الواحد إن السبب
هو أنها لم تكن موجودة ولم تُستشر. وأنا لا أعرف
لماذا تطالبُ أن تتم استشارتُها ورئيس كل الشعب
الفلسطيني ورئيس منظمة التحرير كان متواجداً بنفسه في الأمم
المتحدة؟
ثم كانت المحاولة الفاشلة التي قامت بها قطر في مؤتمر الدوحة البائس، عندما
استدعت خالد مشعل الى القمة، ولكنها لم تجرؤ على تخطي الممثل الشرعي
والوحيد للشعب الفلسطيني وتركت مقعدَ الرئيس
الفلسطيني الشرعي فارغاً. وجلس مشعل خلفَ اسمه
في قسم المراقبين دون أي صفة رسمية، ولا حتى علم أو هوية!
والآن تظهر معركة إعادة الإعمار، وهي معركة حول الممثل الشرعي والوحيد
للشعب الفلسطيني وإن بدت غير ذلك، والتي بدأها
مشعل في خطابه الذي أعلن فيه النصر، والمتمعن
يجد أنهم لا يهمهم افتعالُ مشكلةٍ على الأموال، أو ألا تأتي الى
مستحقيها، لكن المهم أن تمر من تحت أيديهم أو ألا تمر من السلطة
الشرعية، وهنا تقفز عقدة شرعية تمثيل
الفلسطينيين من جديد دون أي تجمل، حتى لو كان ثمنها
إلحاق الأذى بالشعب، وعدم تلقيه للمساعدات. حيث يُصرون على استلام
الأموال بأنفسهم وكأنه لا يوجد هنالك رئيس كان
في القمة التي أرسلت الأموال. وهذا ما يفسرُ
أنهم قاموا بالاستيلاء على شاحنات المساعدات بقوة السلاح لكي يوزعوها
على أعضائهم أو يبيعوها حسبَ أهوائهم.
ربما يقول قائل إن الحركة فازت في الانتخاب التشريعية، وهذا صحيحٌ طبعاً،
لكن هذه الانتخابات كانت في الجانب التشريعي فقط
وفي الضفة وغزة حصراً. لأن انتخابات 2006 لم
تعطِ قائمة الإصلاح والتغيير كل المقاعد إنما أعطتها نسبة
عالية منها، أما المقاعد الأخرى فيها أناس منتخبون يحق لهم أن
يُشاركوا في التشريع. هذا عن السلطة التشريعية،
أما السلطة التنفيذية فهي في يد الرئيس، وهو
الوحيد الذي يحق له أن يعين الحكومات ويقيلها. لذلك فإن فوز حماس في
انتخابات عام 2006 لا يعني أنها أصبحت
"الكل في الكل"، وأنه يحق لها أن تمثل الشعب
الفلسطيني كاملا كما تتمنى.
لكن لماذا نرفض أن تمثلنا حماس؟
الحقيقة أن الرفض متعدد الأسباب، ويحق لنا كفلسطينيين أن نمارسه بكل قوة،
لأن حركة حماس ليست بوتقة جامعة لطيف من
الاتجاهات السياسية، إنما هي اتجاه سياسي وفكري
واحد لا يمكن أن يكون ممثلا لكل الفلسطينيين
أبداً. كما أنها حركة أيديولوجية دينية لا يصح
أن تمثل شعباً فيه من هم من الديانات المغايرة، وفيه
العلمانيون، والإسلاميون الذين لا يؤيدون فكر الإخوان المسلمين.
ناهيكَ عن أن الانشغال بالأيديولوجيات الآن لا
يفيد ونحن في مرحلة تحرر وطني، والانقسامات تنال
منا وتضعفنا. أضف إلى ذلك أنها ارتكبت العديد من المجازر والجرائم ضد
أبناء الشعب الفلسطيني وكلها واضحة بينة مثبتة في الإعلام، فكيف
يمكن لمن ارتكب المجازر بحق شعب ما أن يمثله؟
وهل عُدم هذا الشعب الممثلين والمناضلين
والشرفاء حتى تمثله حركة قائمة على انتهاك الحرمات مثل حماس؟
الحقيقة أنه من السابق لأوانه الحديث عن جني الثمار (التي منها ثمرة تمثيل
الشعب الفلسطيني) في الحرب الأخيرة، والأهم الآن أن نفكر في أخطائنا التي
قادت الى الفشل، والتي من أهمها دخول الحرب دون
استعداد مادي (بالغذاء والدواء والعتاد) ولا
معنوي (بالوحدة الوطنية والاستعداد الشعبي والتعبوي الكامل).
إن حركة التعاطف الشعبي العارمة والطبيعية التي قامت بها كل شعوب الأرض مع
أهالي غزة لدعم صمودهم، لا تمنح شرعية لاتجاه سياسي دون آخر،
والعالم كان يعرف، بل يشاهد المدنيين وحدهم
يتلقون الضربات بصدورهم العارية. بالتالي فإن
ركوب هذه الموجة من التعاطف العالمي هو عملية لا أخلاقية بالدرجة الآولى،
لأنها سرقة للتضحيات والإنجازات الشعبية المتمثلة بالصمود والتحدي،
يقومُ بها من يدعون أنهم المقاومة وهم ليسوا إلا
سكانَ جحور من الطراز الأول.
في النهاية، أعتقد أن محاولات حركة حماس الحثيثة الاستيلاء على الشرعية
الفلسطينية كاملة لن تتوقف. وستظهر لنا في الغد الكثير من الأحداث والأفعال
التي تؤكد هذا الأمر، والسؤال: هل تستطيع الشرعية الفلسطينية
الحقيقية ممثلة بمنظمة التحرير والرئيس محمود
عباس الصمود طويلا في وجه دعاة الفرقة
والانقسام؟
كاليفورنيا
25 كانون ثان 2009