قالت لي الدنيا...

موقع الشاعر ناصر ثابت

حماس.. أنانية الفصيل في أبهى صورها..

بداية لا يسعني إلا أن أتقدم بالتهنئة لحركة حماس على "الإنجاز" التاريخي الذي حققته بإتمامها اتفاق التهدئة "غزة أولا". هم لم يطلقوا عليه اسم غزة
أولا، لكنه ذكرني باتفاق غزة أريحا أولا الذي أراده الإسرائيليون في غزة فقط، لكن الرئيس أباعمار وقتها أصر على إضافة أريحا إليه، وهكذا كان.

غني عن القول إن حماس وقتها لم تترك ادعاءً إلا وادعته، ولا محاولة إلا وحاولتها لإفشال ذلك الاتفاق، مع الكثير من الكذب والتضليل والتدليس، حتى جعلته أكبر الشرور، وعممت حوله أنه وقوع في المحظور، مع أن ما حققته منظمة التحرير حينَها أفضل مئة مرة مما حققته حماس في اتفاق التهدئة الحالي غير الواضح في معالمه وبنوده.
أنا لا أتوقع لهذا الاتفاق أن يدوم، ولا أن يكبر ويترعرع، وهذا مجرد رأي شخصي يحتمل الخطأ والصواب، لا أريد أن أشغل القارئ الكريم به. لكنني أتمنى أن تكون حماس قد قرت عينُها بهذا "الانجاز" الكبير، الذي يوضح لكل ذي لبٍ أن غاية المنى لحماس هي أن تسيطر على الحكم لا أن تناضلَ من أجل التحرير. فإمارتُها السوداءُ في غزة توشك على الموت، وتحتاج إلى متنفسٍ ولو صغير، يعيد إليها الحياة، حتى لو كان ثمنُ ذلك إيقافَ المقاومة عقوداً من الزمن، مع أنها كانت تملأ الأرض صراخاً وعويلاً كلما طالبتها منظمة التحرير ببعض الهدوء حتى تأخذ من بين فكي التنين الصهيوني ما أمكن، وكنا نتحدثُ وقتها عن تحرير الأسرى أو الانسحاب من المدن أو غيرها من القضايا التي لا يمكن أن تقدر أهميتها بثمن.
باختصار، حماس تخلتْ عن جزءٍ من اسمها، وهو المقاومة مقابل الحصول على الغذاء والتموين والوقود.
وحتى لا يتهمنا أحدٌ بالمقارناتِ غير المتكافئة، وبالبحث عن الثغرات في حكم حماس، وفي سيرتها "العطرة"، نؤكد أن خلافنا مع حماس هو خلاف في الفكر والمنهج والأسلوب، لا يتوقف عندَ إنجازٍ هنا أو إخفاق هناك. وأنا أعتقد أن ما فعلته ببساطة، هو حرف مسار القضية الفلسطينية برمتها، ليس فقط منذ الانقلاب البغيض، بل منذ انطلاقتها المشؤومة. وحرف المسار يشبه ما يفعله عادة خاطفو الطائراتِ عندما يقومون بتحويل وجهة الطائرة لكي تتبع المسار الذي يريدون. وهذا واضح عندما كانوا يخافون أن تحقق المنظمة بقيادة ياسر عرفات أي إنجاز على الأرض، فيقومون بتخريبه بالعمليات التفجيرية. وبعدها يأتون لاتهام الفتحاويين بعدم إعطائهم الفرصة لكي يمارسوا حقهم في الحكم منذ حققوا الفوز في الانتخابات التشريعية، مع أنهم تفننوا في منع المنظمة من تحقيق الإنجازات، ووقفوا يتفرجون عليها عندما هاجمت اسرائيل مقرات السلطة في عملية السور الواقي ودمروها على من فيها. ولم يكتفوا بهذا، بل تناسوا كل هذه التضحيات التي قدمتها هذه الأجهزة، وبدأوا يهاجمونها إعلامياً ويوغلون فيها قذفاً، حتى يتسنى لهم بعد ذلك أن يوغلوا فيها قتلاً.
أخيراً تم الاتفاق، وبغض النظر عن التنفيذ، فإنه يشكل باكورة المفاوضات بين حماس وإسرائيل، التي بدأها محمود الزهار في أول أعوام الانتفاضة الكبرى، عندما اجتمع مع رابين وبيريس، أثناء تطبيقهم لسياسةِ تكسير العظام بحق شعبِ فلسطين.

كثيرة هي المواضع التي تُظهر حركة حماس على حقيقتها، وتفضحُ توجهاتِها الفصائلية الأنانية، ونظرتها الضيقة الموغلة في الخداع والميكيافيلية،
والاقتراب من الإسلام بالادعاء والابتعاد عنه في الواقع، لكنني اليوم معنيٌّ
بثلاثةٍ منها فقط.
في الموقف الأول، نستذكر ما قاله الزهارُ في عنوان مقالته الغريبة "لا سلام
بدون حماس". مع أن فحوى المقالةِ لا يُشكل إلا فضيحة لكل سياسةِ حماس السابقة واللاحقة، إلا أنه لا يحدثنا كيف أن السلام لا يَصلح دون حماس، ونحن هنا لا نعني أنه يَصلحُ دونها، لكن استخدام اللفظ بهذه الطريقة لا يؤدي خدمة إلا إلى الجانب الفصائلي الضيق للمعادلة، وكأن حركة حماس تقول لنا "إن العيب في عملية السلام التي بدأت في مدريد لم يكن إلا عدمَ إشراك حماس فيها". دائماً كنا نطمح إلى أن يتوحد العمل السياسي الفلسطيني برمته خلف منظمة التحرير، التي يجب أن تكون واجهتنا أمام العالم، فمن المعيب فعلا أن يقفز أمامنا فصيل من الفصائل ليقول لا سلام بدون الجبهة الشعبية أو لا سلام بدون حزب الشعب، أو بدون حماس. وكأن على إسرائيل أن تخوض عدة عمليات سياسية لتحقيق السلام مع الشعب الفلسطيني، واحدة لكل فصيل من الفصائل.
غير أنني لا أنصح القارئ بالتخوف من هذا الأمر، فهنالك حركة واحدة وحيدة فقط تسمح لنفسها أن تقول هذا الكلام هي حماس. كما أن هذا الموقف لا يتكرر كثيراً، لأن الفصائل الأخرى أكثر وعياً منها وأشد التزاماً بمصلحة الشعب الفلسطيني.
يشبه هذا الموقف ما طالبت به حماس فيما يخص معبر رفح الحدودي، عندما أصرت على أنها يجب أن يكون لها دور فيه. والسؤال هو كيف يريدون أن يقنعنونا أن هذا الكلام لا توجد فيه روح الأنانية الفصائلية المقيتة، خاصة إذا عرفنا أن فتح المعبر سيفيد كل الشعب الفلسطيني باتجاهاته كافة؟ ثم لماذا لا تطالب كل الفصائل بحصصها؟ حماس النصف وفتح الأربعين بالمئة والجبهة العُشر، اتباعاً لنتائج انتخابات المجلس التشريعي، ذلك المجلس الذي ما إن فازت حماس فيه، حتى اعتقدت أنها تستطيع أن تتحكم في رقاب العباد، بعد أن آذت أسماعنا في السابق بأحاديثها التي نالت من السلطة الوطنية، وتهكمت على سيادتها، وأصرت أنها ليست إلا سلطة منزوعة الصلاحيات، مهمتها جمع القمامة ودفع الرواتب؟ كل هذا، ولم تتذكر حماس لحظة واحدة أن هنالك رئيساً منتخباً، يحق له أن يتخذ القرارات، وأن يُصدر المراسيمَ والفرمانات، وأن يحل الحكومة، وأن يقيلَ رئيسَها الذي ما زال يرفضُ أن يمتثل لرغبة مَنْ أوكله بتشكيل الوزارة.
الموضع الثالثُ الذي يثير الدهشة، ويحرك مشاعر الاستغراب، هو طرح اسماعيل هنية لفكرة المصالحة الوطنية على قاعدة "لا غالب ولا مغلوب"، كذا بالعامية! حقيقة إن هذه الكلمات لا تصدر إلا عن أحد كبار التجار، الذي لا يعرف إلا لغة الدرهم والدينار، والذي يزن الأمور بمقاييس السوق، وقوانين البيع والتجارة، وحسابات الربح والخسارة.
ونحن هنا لا نرى إلا لصاً سرق بعضَ المتاع، ونزل الى السوق لكي يبيعه، ولم يجد في نفسه حرجاً أن يطالب بثمنه كاملاً غير منقوصٍ، وهو الذي يليقُ به أن يتوارى خجلا من فعلته، وأن يغطيَ وجهه بجُبَّته، وأن ينتظرَ طوقَ نجاةٍ كالذي رماه له الرئيس أبومازن، وأن يستغله أوسع استغلال حتى يستعين به للخروج من المأزق.

عن أي غالبٍ يتحدثون وعن أي مغلوب؟ وهم الذين يعرفون أنهم بفعلتهم الشنيعة قادوا الشعب إلى المجهول، ودمروا القضية الفلسطينية، واعادوها عشراتِ الأعوام الى الوراء، وأذاقوا الويلاتِ للأطفال والشيوخِ والنساء، وسحلوا الجثث في الشوارع أو ألقوها من علٍ كأنها أكياسٌ من التبن، وحرقوا البيوتَ على رؤوس ساكنيها، وولغوا في دماء المسلمين، وحكموا غباءَهم المشهود في المصائر، وارتكبوا الموبقاتِ والمجازر، ومارسوا أفظع أنواع الظلم، وواجهوا أبناء الحركة الوطنية بالقتل والتعذيب، وحاربوا حرية الكلمة، ونالوا من كرامة الرجال، حتى أؤلئك الذين لم يحملوا السلاح ولم يشاركوا ضدهم في حرب أو قتال.
كثيرة هي الكبائر التي ارتكبوها، وأجزمُ حتى أنها أكبر من الكبائر ذاتها، خاصة إذا تعلقت برقاب الناس وبدمائهم المحرمة، لكننا نقفُ إلى هذا الحدِّ حتى لا ننسى الهدف من مقالتنا هذه، وهو تقديمُ التهنئة لحماس "بإنجازها" الكبير!
الحقيقة أن زيارتي للوطن الحبيب بعد أعوامٍ من الغياب، أعطتني فرصة ثمينة
لاستمزاج آراء الناسِ، والاطلاع على الوضع الميداني عن قرب، على الأقل في الضفة الغربية. خاصة بعد أن كثر الحديثُ عن رغبةِ حماس الجامحة بنقل تجربتها الدموية إلى هناك، لتطويع هذا الإقليم "المتمرد" على حكمها، فظهرت لنا كأنها تنافسُ إسرائيلُ في قوتها، وأنها تستطيع أن تفرضَ نفسَها، وأن تعيدَ انتشارَها في بقية ارجاء الوطن. لكنني وجدتُ أن الوضع على الأرض ليس لصالحها، وأنها بدأتْ تخسرُ من شعبيتها المزعومة، وأن الكثيرين ممن صرحوا لي بعشقهم الكبير لها في الماضي أو على الأقل اقتناعهم بأنها هي حاملة لواء "الإصلاح والتغيير"، وجدوا انفسَهم مضطرين للاعتراف بخطأهم وبالإقرار بحقيقة أنها لم تجلب لنا إلا التراجع والتدمير.
الناسُ يزدادون وعياً لدورها المشبوه، والسلطة الشرعية تزداد حسماً تجاهها
حماية لما تبقى من القضية من وحش الضياع، وحفاظاً على أمن المواطنين الذين يتهددهم ثالوث الاحتلال الصهيوني والانفلات الأمني والعقل الظلامي.
غير أنني لا أنسى أن أشكرَ هذا الشعب الذي انتخبها في غفلةٍ من الزمن، وأعطانا الفرصة لتجريبها، وبالتالي اكتشاف مساوئها ومحاسنها إن وُجدتْ. وهنا لا أخفي إعجابي بما قاله حكيم الثورة المرحوم جورج حبش في حوار أجريَ معه قبل وفاته بفترة قصيرة، عندما قال إن أفضل الطرق لكشف سوءَةِ الظلاميين، تتلخص في ترك الناس تجرِّبُهم!


رام الله 18-6-2008